هذة هى السعادة

fantastic photo

قال أهل السير وأهل التاريخ : لما استقر هارون الرشيد في الخلافة ، وتولاها بعد أبيه ، أنفق الكنوز والقناطير المقنطرة ، في عمارة قصر على نهر دجلة ؛ يدخل النهر من شمال القصر ويخرج من جنوبه ، وعمّر الحدائق التي تطل وتتمايل على النهر، ثم رفع الستور ، وجلس للناس ، فدخل الناس يهنئونه بقصره وبحدائقه ، وكان فيمن دخل أبو العتاهية ، فوقف أمام هارون الرشيد وقال له :

عش ما بدا لك سالمـاً في ظل شاهقـة القصـور

يقول : ليهنك العيش والسعادة ، ودوام الصحة والعافية ، في ظل هذا القصر، فارتاح هارون لهذا الكـلام وقال : هيه ، يعني زد ، قال :

يجري عليك بمـا أردت مع الغـدوّ مع البكـور

يقول: يأتيك الخدم والجواري ، بالأطعمة والأشربة ، وكل ما أردت ، صباحاً ومساء قال : هيه ، قال

فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور

فهنـاك تعلـم موقنـاً ما كنت إلا في غرور!!

قال : أعد . أعد . قال : فإذا النفوس تغرغرت ، يعني إذا حضرت سكرات الموت ، وحان الأجل ، وساعة الصفر ، وبلغت الروح التراقي : [ وقيل من راق [القيامة:27]. والتُمس الطبيب ، وذلك الذي يحيد منه العبد.

فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور

فهنـاك تعلـم موقنـاً ما كنت إلا في غرور!!

يقول: إذا أتتك سكرات الموت ، وأشرفت على الهلاك ، سوف تعلم أنك كنت تضحك على نفسك ، وأنك كنت تعبث كما يعبث الصبيان ، قال : أعد ، ثلاثاً، فردد أبو العتاهية:

فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور

فهنـاك تعلـم موقنـاً ما كنت إلا في غرور!!

فبكى هارون حتى وقع على الأرض ، ثم أمر بالستور فهتكت ، والأبواب فأغلقت ، ونزل في قصره القديم ، فلم يمض عليه شهر واحد ، حتى أصبح في عداد الموتى .

هذا هو هارون الذي كان يصلي في اليوم مائة ركعة نافلة ، ويغزو سنة ، ويحج سنة .

أيها الإخوة المؤمنون

يبحث كل إنسان بكل ما أوتي من قوة عن السعادة ، فما هي السعادة ؟ وأين توجد ؟

هل السعادة مال وفير وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة والأنعام والحرث ؟

هل السعادة منصب يرفع العبد على الناس، فيصبحون له خدماً وخولاً ؟

هل السعادة صحة الجسم ، فلا يمرض ، ولا يجوع ، ولا يبأس ؟

هل السعادة السلامة من الناس، والنجاة من غوائلهم ودواهيهم ؟

لقد طلب السعادة أقوام من طرق منحرفة ، فكانت هذه الطرق ، سبباً لدمارهم وهلاكهم ، وللعنة الله التي وقعت عليهم.

طلبها فرعون في الملك ، ولكنه ملك بلا إيمان ، وتسلطن بلا طاعة ، فتشدق في الجماهير: [ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي [ونسي أن الذي ملكه هو الله ، والذي أعطاه هو الله ، والذي جمع له الناس هو الله ، والذي أطعمه وسقاه هو الله ، ومع ذلك يجحد هذا المبدأ ويقول : [ ما علمتُ لكم من إله غيري ]. فكان جزاء هذا العتو والتكبر والتمرد على الله ؛ أنه لم يتحصل على السعادة التي طلبها ، بل كان نصيبه الشقاء والهلاك واللعنة بعينها    [ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى [ويقول الله عنه وعن مثله :  [ النار يُعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [.

ويمنح الله قارون كنوزاً كالتلال ما جمعها بجهده ، ولا بذكائه ، ولا بعرقه ، ولا بعبقريته ، وظن أنه هو السـعيد وحده ، وكفر نعمة الله ، وقد حذره ربه ، وأنذره مولاه مغبة تصرفاته الوقحة ، فأبى وأصر على تجريد المال من الشكر ، والسعي في الأرض فساداً ، فكان الجزاء المر [ فخسفنا به وبداره الأرض ].

وطلب السعادة الوليد بن المغيرة ، فآتاه الله عشرة من الأبناء ، كان يحضر بهم المحافل ، خمسة عن يمينه ، وخمسة عن يساره ، ونسي أن الله خلقه فرداً بلا ولد [ ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد كلا [ فماذا فعل، كيف تصرف ؟ أخذ عطاء الله من الأبناء ، فجعلهم جنوداً يحاربون الله ، إلا من رحم ربك ، فقال الله فيه : [ سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر ].

وهذا يلتمس السعادة في الشهرة فيقضي ساعاته في توجيه الناس إليه ، ليصبح محبوب الجماهير، وحديث الركبان ، وشاغل الدنيا ، فيقتلعه ربك من جذوره ، ويمحق سعيه [ فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض

وذاك يظن أن السعادة في الفن ، الفن المتهتك الخليع الماجن ، فيدغدغ الغرائز ، ويلعب بالمشاعر ، ويفتن القلوب ، ويسكب الغرام في النفوس ، فيحمّله الله ذنوب من أغواهم ، دون أن ينقص من ذنوبهم شيئاً ، ويحجب الله السعادة عن كل من لم يعترف بألوهيته ، ويدين بربوبيته ، فيقول : [ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [

فأين السعادة  ؟ أين توجد لمن يبحث عنها  ؟ أين  ؟ إنها في هذه الدنيا في الإيمان بالله صدقا ويقينا ، إنها في القرآن الكريم تلاوة وفهما وتطبيقا ، إنها في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة ، إنها في الإسلام دعوة وعزة واعتصاما ، أما في الآخرة فالسعادة كل السعادة  في جنة عرضها السماوات والأرض ورضوان من الله أكبر

السعادة في الإيمان والعمل الصالح ، وجدها يونس بن متى ، وهو في ظلمات ثلاث : في بطن الحوت ، في ظلمة الـيم ، في ظلمة الليل ، حين انقطعت به الحبال ، إلا حبل الله ، وتمزقت كل الأسباب ، إلا سبب الله ، فهتف من بطن الحوت ، بلسان ضارع حزين : [ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين [ فوجد السعادة .

ووجدها موسى عليه السلام ، وهو بين ركام الأمواج في البحر، وهو يستعذب العذاب في سبيل الواحد الأحد :    [ كلا إن معي ربي سيهدين [

ووجد السعادة يوسف عليه السلام ، وهو يسجن سبع سنوات فيسألونه عن تفسير الرؤى ، فيتركها ، ثم يبدأ بالدعوة فيقول : [ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار [ ، فيعلن الوحدانية ، فيجد السعادة .

ووجدها محمد عليه الصلاة والسلام ، وهو يطوّق في الغار بسيوف الكفر ، ويرى الموت رأي العين ، ثم يلتفت إلى أبي بكر ويقول مطمئناً : [ لا تحزن إن الله معنا [التوبة:40].

سهرت أعينٌ ونامت عيـون في شئون تكون أو لا تكون

فاطرح الهـم مـا استطعت فحمـلانك الهمـوم جنـون

أن رب كفاك ما كان بالأمس سيكفيـك فـي غدٍ ما يكون

ووجدها أحمد بن حنبل في الزنزانة ، وهو يجلد جلداً ، لو جلده الجمل لمات ، كما قال جلاده ، ومع ذلك يصر على مبدأ أهل السنة والجماعة ، فيجد السعادة . أما الذي جلده ، وهو المعتصم ، فلما حضرته سكرات الموت ، رفع بساطه ، ومرغ وجهه في التراب ، وبكى وقال : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من زال ملكه . ثم يقول : لو علمت أني أموت شاباً ، ما فعلت الذي فعلت من الذنوب .

ووجدها ابن تيمية، وهو يكبّل بالحديد ، ويغلق عليه السجان الباب ، داخل غرفة ضيقة مظلمة ، فيقول ابن تيمية : [ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [ ويلتفت ابن تيمية إلى الذين هم خارج السجن ، فيرسل لهم رسالة ،  وينقل لهم نبأ وخبراً من السجن فيقول : ( ما يصنع أعدائي بي  ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري  ، إن سرت فهي معي . . أنا قتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ، وسجني خلوة !!.

هذه هي السعادة ، وهذه أحوال السعداء ، ولا يكون ذلك إلا في الإيمان والعمل الصالح ، الذي بعث به الرسول عليه الصلاة والسلام ، فمن سكن القصر بلا إيمان ، كتب الله عليه: [ فإن له معيشة ضنكاً [. ومن جمع المال بلا إيمان ، ختم الله على قلبه : [ فإن له معيشة ضنكا] ومن جمع الدنيا ، وتقلد المنصب بلا إيمان ، جعل الله خاتمته [ فإن له معيشة ضنكا. ]وصدق الشاعر إذ يقول :

نظرت إلى الحياة فلم أجدها
بحثت عن السعادة أجتليها
فهزتني الحقائق حين صاحت
تمثل فيه أجدادي قديما
فلست أرى الحياة كما يراها
يعيش كما تعيش البهم فيها
ولست أرى السعادة جمع مال
سوى حلم يمر ولا يعود
وبين جوانحي شوق بعيد
ورن بخاطري مثل فريد
بتبصرة وقد صدق الجدود
جبان تائه نزق حقود
تسيره المطامع والثريد
ولكن التقي هو السعيد

من أراد السعادة فليلتمسها في المسجد ، في المصحف ، في السنة ، في الذكر ، في التلاوة ، في الهداية ، في الاستـقامة ، في الالتزام ، في اتباع محمد ، عليه الصلاة والسلام.

·    من خطبة للشيخ عائض القرني ( بتصرف )
·     الجمعة 20 جمادى الآخرة 1425 هـ – 6 / 8 / 2004

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: